ماقبل اللقاء ! :
يزرعُ المشتاقين شوقهم على خمار الليل
لعل النهار يأتي بالمُدبرين ..
---------
دخل أحمد ذو الرابعة عشر ربيعاً إلى صفه متأخراً بعض الشيء. فوجد مُعلم التاريخ يكتب خطة الساعة/الحصة على لوحة الصف. جلس حيث يجلس دائماً ثم أخرج كتاب التاريخ على طاولته. بدأ الدرس وكان يعج بالمعلومات التي يريد المدرس تحفيظها لطلابه. كان أحمد يحب التاريخ جداً إلى درجة يجيد بها حفظ الأحداث بتواريخها. وكان يحصل على درجاتٍ مرتفعة في هذه المادة , على غرار موادٍ أخرى.
ولم يكن هذا الجو التاريخيْ بغريب على أحمد حيث أنه نشأ في مجلس لا يتحدثُ أهله إلا عن التاريخ. حيث النعيم السابق الذي عاش فيه أجداده والبطولات التي حققوها على حساب أناس آخرين يعيشون في الجوار البعيد. وكيف أن أجدادهُ عاصروا الدولة العثمانية وكيف كانوا يتعاملون معها. كان جده سالم وأبوه خالد و أعمامه محمد وناصر يطيلون الحديث عن أجدادهم السابقين لعلهم يشحنون روح أحمد بالفخر والإعتزاز عن وضع أسرتهم في السابق. لكن عندما يختلي أحمد بنفسه يحدثها ويسألها دائماً: لماذا أعيشُ الآن على هذا المستوى؟؟ وكيف وصل بنا الحال أن لا نجد مانسد به جوعنا عشياً بينما ينعم غالبية المجتمع برفاهية لا ننعم فيها. شيءٌ ما يُخبرهُ أن الحديث عن التاريخ بهذه الطريقة لا يكفي ولا يجدي نفعاً.
عاشت أسرة أحمد على تاريخها المفعم بالفخر والإعتزاز والذي لا يسلم أغلبهُ من كماليات وضعها الأب و الأعمام مع أحداثٍ بعضها حقيقي ومنها مادون ذلك يرويها له جده سالم. تناسوا أن العصور التي تأتي على هذه الأرض تختلف عن العصور التي تسبقها بطرق الحياة والتفكير والعمل. لم تواكب الأسرة التمدن الذي يجتاح الأرض ورفضوا العولمة وفضلوا قوت التاريخ أن يطعموه أولادهم, ذلك التاريخ الذي يعلم سالم وخالد ومحمد وناصر علم اليقين أنهُ قليل من دسم الحقيقة. لكنهم يبررون ضعفهم وخطأ قرارهم ويعلقون عليه شماعة فشلهم في رفع مستواهم المعيشيْ.
أنهى أحمد دراسته الجامعية وأصبح عقله يتفكر في كل ما يقع عليه بصره. تكاثرت التساؤلات القديمة التي لم يجد لها جواباً شافياً. أراد أحمد إكمال مرحلته الجامعية وكان لهُ ما أراد حيث خصصت له الدولة منحة دراسية نظراً لاجتهادة وحصوله على درجات عالية في مرحلته الثانوية. استكمل دراسته الجامعية حيث اختار مجال التدريس. يعتقد أحمد أن التدريس مجال يختلف عن المجالات الأخرى حيث أنه يحمل رسالة يختلف مضمونها إلى أجيال عانت من نقل المعلومة بطريقة صحيحة. يرى أحمد أن من واجبه مساعدة المجتمع الجديد على تقوية أركانه العلمية والثقافية والتربوية لمواكبة مجتمعات الجوار التي تقدمت عن المجتمع الذي يعيشه أحمد.
تحسن وضع أسرة أحمد المعيشية بعد تخصيص الديوان مبلغاً من المال لهم. انتهى أحمد من دراسته الجامعية وأصبح أستاذاً في إحدى مدارس مدينته التي هطل عليها وابل التمدن. ثابر المدرس الجديد أحمد مع مرور السنين على تأصيل العلاقات بين الطلاب وأسرهم وتأكيده على أهمية العلم والثقافة في تنشأة الفرد فيهم. أصبح أحمد يشعر بأن الحياة تدب في مدينته التي عانت طويلاً من كثرة "الخراريف" والروايات التي تتناقل وتتضارب مع بعضها ولا يثبت أغلبها إلا بالصوت والقوة. فانتقلت اهتمامات الأسر إلى تعليم أبناءهم وتثقيفهم ومع الوقت غابت كثير من المشاحنات التي كانت تحدثها تلك القصص.
تطورت الحياة مع مرور السنين ولم يجد أحمد جواباً لتساؤلاته. لعل أحمد لم يكن في حاجة إلى أن يجد جواباً. يعتقد أحمد أنه وجد أكثر من ذلك. لقد وجد ضالته في العلم الذي أزاح التوهان العقلي والفكري الذي عاشه في صغره. لقد أزال العلم شبح الأوهام وأنار في صدره طريقاً جديداً يرى في نهايته استقراراً وأماناً. حاز أحمد على ثقة أسرته ومجتمعه فنقلهم بصدق نيته من ظلماتٍ كانوا يعيشون فيه إلى بستانٍ منير لقي حصاده أجيالٌ خلفتهم.
توفى المدرس الفاضل أحمد بعد أن قضى جل حياته في خدمة مجتمعه. وأتى من بعده المدرس عبدالله وراشد وسعيد والمدرسة أسماء ومريم وعلياء الذين استمروا على مواكبة العصر الذين يعيشونه مع الحرص على المحافظة على التراث. ولم يعد التاريخ وحده مايتداول في مجالس تلك المدينة الفاضلة بل تنوعت لتشمل مواضيع مختلفة ومتنوعة كالثقافة والأدب والعلوم.
---------
ثم بعد اللقاء:
في الزمن الذي يضيقُ بالـ لا مبالاة ..
يُرشق المُحترمون بالحزن ثلاثاً فالنهار
تضيقُ عليهم جدران الحياة
ينظرون إلى الجدران فيجدون ما يُشتمون به
يرفعون أبصارهم إلى السماء
حيث لا سقف يحجبها
أو كتابة يُغضب منها
أو حجارة يُرشق بها
تتردد على أذهانهم كلمات: إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب.
يزرعُ المشتاقين شوقهم على خمار الليل
لعل النهار يأتي بالمُدبرين ..
---------
دخل أحمد ذو الرابعة عشر ربيعاً إلى صفه متأخراً بعض الشيء. فوجد مُعلم التاريخ يكتب خطة الساعة/الحصة على لوحة الصف. جلس حيث يجلس دائماً ثم أخرج كتاب التاريخ على طاولته. بدأ الدرس وكان يعج بالمعلومات التي يريد المدرس تحفيظها لطلابه. كان أحمد يحب التاريخ جداً إلى درجة يجيد بها حفظ الأحداث بتواريخها. وكان يحصل على درجاتٍ مرتفعة في هذه المادة , على غرار موادٍ أخرى.
ولم يكن هذا الجو التاريخيْ بغريب على أحمد حيث أنه نشأ في مجلس لا يتحدثُ أهله إلا عن التاريخ. حيث النعيم السابق الذي عاش فيه أجداده والبطولات التي حققوها على حساب أناس آخرين يعيشون في الجوار البعيد. وكيف أن أجدادهُ عاصروا الدولة العثمانية وكيف كانوا يتعاملون معها. كان جده سالم وأبوه خالد و أعمامه محمد وناصر يطيلون الحديث عن أجدادهم السابقين لعلهم يشحنون روح أحمد بالفخر والإعتزاز عن وضع أسرتهم في السابق. لكن عندما يختلي أحمد بنفسه يحدثها ويسألها دائماً: لماذا أعيشُ الآن على هذا المستوى؟؟ وكيف وصل بنا الحال أن لا نجد مانسد به جوعنا عشياً بينما ينعم غالبية المجتمع برفاهية لا ننعم فيها. شيءٌ ما يُخبرهُ أن الحديث عن التاريخ بهذه الطريقة لا يكفي ولا يجدي نفعاً.
عاشت أسرة أحمد على تاريخها المفعم بالفخر والإعتزاز والذي لا يسلم أغلبهُ من كماليات وضعها الأب و الأعمام مع أحداثٍ بعضها حقيقي ومنها مادون ذلك يرويها له جده سالم. تناسوا أن العصور التي تأتي على هذه الأرض تختلف عن العصور التي تسبقها بطرق الحياة والتفكير والعمل. لم تواكب الأسرة التمدن الذي يجتاح الأرض ورفضوا العولمة وفضلوا قوت التاريخ أن يطعموه أولادهم, ذلك التاريخ الذي يعلم سالم وخالد ومحمد وناصر علم اليقين أنهُ قليل من دسم الحقيقة. لكنهم يبررون ضعفهم وخطأ قرارهم ويعلقون عليه شماعة فشلهم في رفع مستواهم المعيشيْ.
أنهى أحمد دراسته الجامعية وأصبح عقله يتفكر في كل ما يقع عليه بصره. تكاثرت التساؤلات القديمة التي لم يجد لها جواباً شافياً. أراد أحمد إكمال مرحلته الجامعية وكان لهُ ما أراد حيث خصصت له الدولة منحة دراسية نظراً لاجتهادة وحصوله على درجات عالية في مرحلته الثانوية. استكمل دراسته الجامعية حيث اختار مجال التدريس. يعتقد أحمد أن التدريس مجال يختلف عن المجالات الأخرى حيث أنه يحمل رسالة يختلف مضمونها إلى أجيال عانت من نقل المعلومة بطريقة صحيحة. يرى أحمد أن من واجبه مساعدة المجتمع الجديد على تقوية أركانه العلمية والثقافية والتربوية لمواكبة مجتمعات الجوار التي تقدمت عن المجتمع الذي يعيشه أحمد.
تحسن وضع أسرة أحمد المعيشية بعد تخصيص الديوان مبلغاً من المال لهم. انتهى أحمد من دراسته الجامعية وأصبح أستاذاً في إحدى مدارس مدينته التي هطل عليها وابل التمدن. ثابر المدرس الجديد أحمد مع مرور السنين على تأصيل العلاقات بين الطلاب وأسرهم وتأكيده على أهمية العلم والثقافة في تنشأة الفرد فيهم. أصبح أحمد يشعر بأن الحياة تدب في مدينته التي عانت طويلاً من كثرة "الخراريف" والروايات التي تتناقل وتتضارب مع بعضها ولا يثبت أغلبها إلا بالصوت والقوة. فانتقلت اهتمامات الأسر إلى تعليم أبناءهم وتثقيفهم ومع الوقت غابت كثير من المشاحنات التي كانت تحدثها تلك القصص.
تطورت الحياة مع مرور السنين ولم يجد أحمد جواباً لتساؤلاته. لعل أحمد لم يكن في حاجة إلى أن يجد جواباً. يعتقد أحمد أنه وجد أكثر من ذلك. لقد وجد ضالته في العلم الذي أزاح التوهان العقلي والفكري الذي عاشه في صغره. لقد أزال العلم شبح الأوهام وأنار في صدره طريقاً جديداً يرى في نهايته استقراراً وأماناً. حاز أحمد على ثقة أسرته ومجتمعه فنقلهم بصدق نيته من ظلماتٍ كانوا يعيشون فيه إلى بستانٍ منير لقي حصاده أجيالٌ خلفتهم.
توفى المدرس الفاضل أحمد بعد أن قضى جل حياته في خدمة مجتمعه. وأتى من بعده المدرس عبدالله وراشد وسعيد والمدرسة أسماء ومريم وعلياء الذين استمروا على مواكبة العصر الذين يعيشونه مع الحرص على المحافظة على التراث. ولم يعد التاريخ وحده مايتداول في مجالس تلك المدينة الفاضلة بل تنوعت لتشمل مواضيع مختلفة ومتنوعة كالثقافة والأدب والعلوم.
---------
ثم بعد اللقاء:
في الزمن الذي يضيقُ بالـ لا مبالاة ..
يُرشق المُحترمون بالحزن ثلاثاً فالنهار
تضيقُ عليهم جدران الحياة
ينظرون إلى الجدران فيجدون ما يُشتمون به
يرفعون أبصارهم إلى السماء
حيث لا سقف يحجبها
أو كتابة يُغضب منها
أو حجارة يُرشق بها
تتردد على أذهانهم كلمات: إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب.
No comments:
Post a Comment